منتدى شباب كوباني
أهلآ بك
في منتدى شباب كوباني
تمتع بالتصفح .......
و اذا كنت تريد كتابة مقالة قم بالتسجيل لتصبح عضواً..

الشعر الكردي الحديث: أول الكلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الشعر الكردي الحديث: أول الكلام

مُساهمة من طرف نسرين برازي في الجمعة أكتوبر 03, 2008 7:34 pm

يلوح الشعر الكردي، بل الأدب الكردي في العموم، مثل حقل برّي متروك لأمره. قامات متباينة وأصناف متنافرة تلبث، جنباً إلى جنب، في بقعة نائية، عصية على المقاربة. هذه أرض غير مشذبة تراكمت فيها الطبقات وتداخلت الأجيال واشتبك القمح بالزؤان. لم يكلف أحد نفسه الخوض في هذه البريّة العذراء.
تصعب، والحال هذا، مقاربة الشعر الكردي بعين النقد. فقد ظلّ النقد، كأداة حفر وفحص ومعاينة، بعيداً عنه. ثمة إحاطات أولية، ولكنها لبثت في حدود الجرد والترقيم. وحتى هذه تجري في منأى عن مقاييس النسب والتعيين المعروفة.
أكثر من هذا فإن الحقل الشعري الكردي، وليعاد القول عن الأدب الكردي في العموم، هو في الواقع حقول متعددة بتعدد اللهجات (اللغات) الكردية التي ينطق بها القوم. هناك شعر كردي. ولكنه شعر كردي سوراني أو كرمانجي أو زازائي أو كوراني. وما يوثق في جانب لا يعمل في الجانب الآخر في الأغلب. قياس الأعمار والأجيال ليس واحداً في الأحوال جميعاً. كذا الحال في مقامات القول وأساليبه وأشكاله. وجماليات السرد والتعبير تختلف من حال إلى حال. فما تعنيه أخاذاً في السورانية قد يبدو مغايراً في الكرمانجية أو غيرها.
هكذا فإن الحديث عن "شعر كردي"، في تعبير مفتوح على إطلاق القول، هو زعم شرس في أفضل الأحوال. ولست أرغب في ركوب هذا الزعم.
سيقتصر حديثي على فسحة واحدة من حقول الشعر الكردي هي فسحة اللهجة الكرمانجية (التي يستعملها أكراد تركيا وسوريا حديثاً و/ أو كتابةً) كما أنه لن يتجاوز تخوم ملاحظات أولية تلخصها قراءة أشعار بعضهم ممن يكتب بهذه اللهجة منذ زمن لا يتجاوز عقد من الزمن. أما قبل ذلك فشأن متروك لدراسة وتوثيق أكبر طموحاً.
وأول انطباع أخرج به من هذه القراءة هو صعوبة تعقب المنبت الشعري في الكرمانجية. هذا شعر يبدو وكأنه هبط من الفراغ. من لا مكان. شعر مقطوع من شجرة كما يقال. شعر مشوش، ضائع الملامح. لم يخرج هذا "الشعر الحديث" من كنف تجربة جمالية متجذرة في أرض الماضي، بل هو انتشر من فوره كمثل انتشار الفطر بعد زخات المطر دون عناء. ليس ثمة "آباء" للشعر الكردي الحديث. آباء هذا الشعر هم من لبثوا على الالتصاق بالبناء التقليدي في الكتابة: الوزن والقافية والإيقاع الغنائي. آباء الشعر الكرمانجي الحديث هم جكرخوين وأوصمان صبري وصبري بوطاني وقدري جان، أي أكثر الناس تمسكاً بما هو نقيض الحداثة.
هكذا من أتى "الحداثة" أتاها على حين غرّة كما لو كانت لقية يعثر عليها على قارعة الطريق.
ثم تكاثر هواة جمع اللقى حتى اكتظ الطريق وصار الجميع مثل الجميع.
لم يبحث أغلب الشعراء الجدد في الكرمانجية عن آفاق جديدة للشعر. لم يكدوا ويتعبوا لينقبوا ويحرثوا وينبتوا. تلقوا ما فعله الآخرون من حولهم وكتبوا وفي ظنهم أن تقليد الكتابة كتابة وتقليد الشعر شعر. أتى الصنيع هشاً، خفيفاً، مصنوعاً في راحة بال.
من أثر هذا بدت الأشعار، في حالات كثيرة، كألعاب خفة ولكن من غير إتقان. لاعبون لا يعرفون قواعد اللعبة فتتساقط الكرات من أيديهم وتظهر حركاتهم في مظهر يتأرجح بين الجد والهزل.
شعر بلا شعر. كتابة هي خليط من أقوال مكررة وأفكار دارجة وصور سقيمة أكلها الدهر.
ما جاء بكثير من هؤلاء إلى الشعر ليس الإبداع واجتراح الابتكار، بل استسهال الدخول من باب الشعر بارتداء ثوب الإدعاء. كان هذا في واقع الحال السبيل الوحيد لإخفاء ضحالة الكتابة وضعف المخيلة وهشاشة القدرة التعبيرية. وجرى كل ذلك وراء ستار من الألفاظ التي لا يهمها أن تقول شيئاً. تعلق الأمر بتمويه سطحي يكتظ بما هو عادي ودارج ولكن متخفياً في ثوب شعر حديث.
ولأن الشعر يحتاج إلى من يقرأه فإن الأنظار اتجهت، من فورها، إلى المحيط الكردي وهو محيط مازال، في مجمله، أمي القراءة، شفوياً، خاضعاً لذائقة تقليدية. والقيم الراسخة هناك هي تلك التي ترتبط بما هو متفق عليه ومطمئن إليه. فمن التصق بها اكتسب الحق في أن يكون شاعراً، وحديثاً، ومخولاً النطق باسم الجماعة، في آن واحد.
هكذا فالشعراء الكرمانج الجدد ، من أقدم قديمهم إلى أحدث حديثهم، هم أكثر الناس حرصاً على البقاء ضمن الدائرة المرسومة. إنهم في سباق ضارٍ لفرض أنفسهم كشعراء ليس استناداً إلى موهبة شعرية وخبرات كتابية ورؤى إبداعية بل من خلال الاحتماء بتصورات الجماعة ومعاييرها وأنساقها.
هم يبحثون عن هالة تمنحها الجماعة بعد أن تفرح بالعبارات الطنّانة التي تدغدغ ذاكرتها المرتاحة. تحتفي الجماعة بالشاعر لأنه يقول قولها ويكرر خطابها ويحتفل بطقوسها. وهو، أي الشاعر، يصطاد في مياه الجماعة من دون اكتراث للشعر والفن ولا اعتناء بالخلق والإبداع. ليس من يهتم بالذائقة الجمالية المدفونة في أرض المجهول. ثمة تواطؤ متبادل على البلادة والكسل.
الجماعة تستقبل الشاعر كـ "بطل"، فتهيأ له الحفلات وتقيم له الأمسيات وتوفر له الرحلات، والشاعر يحمل جعبته المليئة بخطابات خشنة بينها وبين الشعر سماوات.
هذا انطباعي العام من معاينة الشعر الكرمانجي الحديث. انطباع يجعلني أشعر وكأن هذا الشعر يعود، كله، لكاتب واحد. المرامي والأغراض والأفكار والصور والرموز والتشابيه تكاد تكون واحدة. فكأن الأمر يتعلق بمهرجان جمعي. ذلك أن مرجعية الكتابة واحدة.
الشاعر الكرمانجي، باستثناء نادر، ما انفك يستعمل الشعر كشكل كتابة لعرض الرأي في الوقائع والتعليق على الأحداث وشرح الأحوال في صيغة الإخبار. وسواء تعلق الأمر بواقعة تاريخية أو بحدث يومي فإن السمة الغالبة هي القول المعاد. ليست هناك محاولات في الإتيان بجديد على صعيد الفكرة و/ أو شكل عرضها. فمن حاول أن يتجاوز ذلك لم يفعل أكثر من الدوران حول الذات وإعادة قول المعروف ولكن في قرقعة مشيدة بكلمات تبهر من لا يحيط باللغة ولكنها تظهر مضحكة عند من يعرف دخيلة الأمر.
ما انفك الشعر الكرمانجي، في أغلبه، يسير على النمط نفسه الذي خطّه أول من بادر إلى إنزال كتابته منزلة الشعر الحديث. فلم يظهر، بعد، من يأخذ النص إلى جهة أخرى هي جهة إتقان الكتابة وإدخال الدهشة واجتراح ما هو مبتكر والانتقال من الراسخ إلى المتحرك. إن الأمر لا يزال يتعلق بذات الموقف من الأشياء فضلاً عن ذات البنية وأساليب القول.
مقولات تتكرر وصنيع كتابي على حاله لا يتزحزح.
هل تعجز بنية اللغة الكرمانجية عن صنع شعراء حقيقيين يتحول الشعر على يديهم إلى سفينة لخوض غمار المجهول والممتع والمفاجأ؟
هل يصعب كسر حاجز البنية الجماعية لينفتح المدى أمام تعدد الرؤى ونهوض الشعراء كذوات مستقلة، حرة، غير مقيدة بشيء سوى بقيم الإبداع والجمال؟
avatar
نسرين برازي

انثى
عدد الرسائل : 8
العمر : 33
تبادل اعلاني :
السٌّمعَة : 0
نقاط : 0
تاريخ التسجيل : 16/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى